بعيدا عن الرياضة

محمد عبدالوهاب يكتب:واشنطن وموسكو العلاقة بين جبارين قبل وبعد الحرب الباردة

يعود تاريخ الصراع الأميركي-الروسي إلى نهايات الحرب العالمية الثانية، ونشوء المعسكرين الغربي والشرقي، والمجابهة العالمية والجيوسياسية والاقتصادية والإيديولوجية بين الولايات المتحدة الامريكية وحلفائها من جهة، والاتحاد السوفياتي من جهة أخرى. فقد أثبت كل من الطرفين مجال نفوذه من خلال الكتلتين السياسيتين والعسكريتين، وهما حلف شمال الاطلنطى وحلف وارسو، وتجسّد ذلك في محطات تاريخية عديدة في فيتنام، كوريا وغيرهما. إضافة إلى السباق على التسلّح وظهور ما يسمى بالحرب الباردة.
لقد أثّر تفكّك الاتحاد السوفيتي في العام 1991، في العلاقات الامريكية -الروسية، فأنتج الواقع الدولي بعد انتهاء الحرب

الباردة بيئة دولية جديدة تمثلت بسيطرة الولايات المتحدة منفردة على العلاقات الدولية بجميع جوانبها، الأمر الذي انعكس على طبيعة العلاقات الامريكية الروسية ، بل أصبحت هذه العلاقات غير متكافئة وتحديدًا خلال فترة التسعينيات من القرن الماضي.

بعد وصول الرئيس فلاديمير بوتين ومن بعده دمتري مدفيديف إلى السلطة في روسيا، بدأت العلاقات الامريكية -الروسية تأخذ منحى آخر، من خلال محاولة استعادة روسيا لمكانتها الدولية وتعزيزها في مواجهة الهيمنة الامريكية ، وانعكاس ذلك على طبيعة العلاقة الإستراتيجيّة مع الولايات المتحدة سلبًا وإيجابًا. لقد حاولت روسيا الوصول مرة أخرى إلى قمة الهرم الدولي وأخذ مكانتها السابقة، وقد اتّضح ذلك بشكل جلي في مجموعة من المعطيات الدولية، لعل من أبرزها الحرب الروسية الجورجيّة، وموقف روسيا من الربيع العربي في منطقة الشرق الأوسط وسلوكها في الأمم المتحدة.

في المقابل يُشكّل الشرق الأوسط منطقة نفوذ أساسيّة ومجال اهتمام كبير للدول الكبرى، حيث تجلّت الحرب الباردة في الماضي من خلال الأزمات التي مرّت بها، وبخاصةٍ مسألة الصراع العربي الإسرائيلي وما تبعها من حروب وأحداث، وتطوّرات ونتائج إقليمية ودولية. أمّا في الوقت الراهن فإنّ موضوع الربيع العربي بجميع محطّاته، يتصدّر قائمة اهتمامات الدول الكبرى حيث تشكّل الأزمة السورية الراهنة إحدى التجلّيات والمحطات البارزة في هذه المرحلة وفي هذه المنطقة، عن طريق تشكيل الأرضيّة الملائمة لتفاعل عناصر ومكوّنات هذا الصراع وتعزيزه وتقاسم النفوذ بين الجبارين.

إن الأزمة السورية الراهنة باتت مرتبطة مباشرة بمسألة الصراع الأميركي-الروسي، ودخلت مرحلة التدويل الفعلي، وباتت ميدان صراع حقيقي بين الولايات المتحدة وحلفائها من جهة وروسيا وحلفائها من جهة ثانية، مع ما يرافق ذلك من تقارب وتباعد وتناقض وتشابك بسبب كثرة المتغيّرات المؤثّرة في هذا الصراع. إنَّ هذا التعقيد يجعل مستقبل هذا الصراع غير واضح المعالم والسؤال الذي يطرح نفسه: هل هناك عودة إلى الحرب الباردة؟ هل ينذر هذا الصراع المتخذ أساليب قديمة-جديدة بنهاية الأحادية القطبية التي سيّرت العالم منذ انهيار المنظومة الاشتراكيّة ونهاية الحرب الباردة؟ هل يعني ذلك أنّ نظام الهيمنة الامريكية على العالم بدأ يصطدم بعراقيل أساسية وقد يصل إلى طريق مسدود؟ هل إنَّ الباب قد فُتح لانبثاق نظام دولي ثنائي القطبية يتمثّل بدخول روسيا الاتحاديّة بقوة من الباب السوري، وطرح نفسها قطبًا دوليًا أمام الولايات المتحدة في محاولة للمحافظة على مصالحها الحيويّة والإستراتيجيّة، خصوصًا في منطقة المتوسط؟ وهل ينذر ذلك بولادة نظام متعدّد الأقطاب؟

تكمن أهمية البحث في محاولته رصد الأحداث الحالية على الساحة الدولية وتحليلها واستشراف حقيقة العلاقات الامريكية -الروسية بعد الحرب الباردة بجوانبها السياسيّة، والاقتصاديّة والإستراتيجيّة من خلال مسألة حيويّة حديثة، هي الأزمة السورية التي مازالت تتفاعل حتى هذه الساعة، وتجذب إليها عيون سكان المنطقة برمتها وتترصدها باستمرار وتعيشها هاجسًا يوميًا، وتتحمّل أوزارها وتتلقى نتائجها في صميم حياتها وكيانها على الصعيد الوطني والإقليمي. فضلًا عن أنَّ نتائج هذا الصراع سوف تساهم

في تغيير الأنظمة السياسيّة ورسم خريطة طريق جديدة للمنطقة تتجاوب مع الأهداف المعلنة وغير المعلنة لهذا الصراع.

الهدف من هذا البحث هو تسليط الضوء على سياسات الدول العظمى المتّبعة في الوقت الراهن وتحليلها في سعيها إلى تحقيق أهداف إستراتيجية في منطقة تمثّل أهمية اقتصاديّة وسياسية، ودراسة لعبة التوازن بين الدولتين العظميين من خلال البوابة السورية، والعودة إلى شكل من أشكال الحرب الباردة والنتائج المترتّبة عنها على المنطقة وشعوبها، بالإضافة إلى إظهار الثروة النفطيّة والغازيّة كعنصر اقتصادي أساسي محرّك للسياسات الدولية الخارجية.

القسم الأول: العلاقات الامريكية-الروسية

تميَّزت لعبة الأمم على مرّ العصور بقيام أمبراطوريات على أنقاض أمبراطوريات أخرى، وبعد الحرب العالمية الثانية برز إلى الوجود جبّاران: هما الولايات المتحدة الامريكية -والاتحاد السوفياتي.
وبعد سقوط المعسكر الشيوعي في العام 1991، تزعّمت الولايات المتحدة الامريكية قيادة العالم وتحوّلت روسيا الاتحادية نحو الديمقراطية والسوق الحرة، وكان لهذا التحوّل أثره البالغ على البنية الروسية اقتصاديًا وسياسيًا واجتماعيًا ودينيًا، بحيث عادت روسيا إلى تثبيت موقعها كدولة عظمى، وتعزيز دورها في السياسة الدولية كقطب له دوره ومكانته في العالم.
ومن سمات الإستراتيجية الروسية الجديدة على مختلف الصعد سياسيًا وقياديًا واقتصاديًا، أنها أخذت تتجه بمعظمها نحو حماية مصالحها وأمنها القومي تماشيًا مع الأحداث والتطورات في مختلف أصقاع العالم.

تاريخ العلاقات بين الجبارين وأهم محطاته

مرّت العلاقات الأميركية-الروسية بمراحل عديدة متقلّبة ومتفاوتة وفق الظروف وبحسب ما تقتضيه المصالح والأهداف. ففي مطلع الثلاثينيات من القرن العشرين كانت الولايات المتحدة الدولة الوحيدة التي لم تعترف بالاتحاد السوفياتي على الرغم من التعاون الاقتصادي الذي كان قائمًا بينهما في ظل عدم وجود علاقات دبلوماسية بين البلدين، وقد احتل الاتحاد السوفياتي المرتبة الأولى في العام 1931 في استيراد السيارات والمعدات من الولايات المتحدة، في وقت فرضت فيه واشنطن قيودًا صارمة على الصادرات إلى الاتحاد السوفياتي بعد أن اتهمته بالتدخل في شؤونها الداخلية.

أ-التعاون في فترة الحرب العالمية الثانية

بلغ التعاون بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي أوجه في أثناء الحرب العالمية الثانية من خلال مواجهة الخطر النازي، بحيث أعلنت الولايات المتحدة دعمها للاتحاد السوفياتي عن طريق تقديم المساعدات على اختلافها، متجنبة المخاطر التي كانت تتعرّض لها سفنها بفعل ملاحقة البوارج والغواصات الألمانية لها.

الحرب الباردة

وقد ظهرت أولى تناقضات العلاقات بين الدولتين العظميين في تحديد المستقبل السياسي للقارة الأوروبية عمومًا ومسألة وحدة ألمانيا على وجه الخصوص، إلا أنّ ثمة واقعة تعتبر الأكثر إثارة في هذه المرحلة تتمثّل بحفر نفق تحت أرض برلين المقسمة إلى القسمين الغربي والسوفياتي في العام 1953 بهدف التنصت على الاتصالات السوفياتية، الأمر الذي حدا بالمخابرات السوفياتية التي اكتشفت هذا الأمر إلى تزويد الغربيين معلومات مزيّفة.

هذا وقد أدى التوتر في العلاقات إلى ولادة حلف شمال الاطلنطى الذي سعى إلى مواجهة الاتحاد السوفياتي والدول الاشتراكية التابعة له. وبعد فترة زمنية محددة خرج حلف وارسو إلى حيز الواقع في مايو 1955، وهو المنظمة العسكرية التي تقابل حلف شمال الأطلسي عن طريق استبدال مواثيق دفاعه الثنائية مع دول أوروبا الشرقية بحلف عسكري جماعي.

والجدير بالذكر أن امتلاك الجانبين الامريكى والسوفياتي الأسلحة الذرية، أثار الذعر والقلق من حصول أي مجابهة عسكرية لم يمنع حصولها سوى الشعور بالخوف المتبادل، ولاسيما أن الولايات المتحدة كانت قد نشرت صواريخ متوسطة المدى في تركيا في مقابل نشر الاتحاد السوفياتي صواريخ متوسطة المدى في كوبا ونتيجة لهذا الأمر، وخوفًا من حصول أي مواجهة، لجأ القطبان الامريكى والسوفياتي إلى حل وسط قضى بسحب الصواريخ من كل من تركيا وكوبا، إلا أن مرحلة الانفراج التي أعقبت ذلك لم تدم طويلاّ بل عادت إلى الظهور مجددًا بعد التدخل الامريكى المباشر في فيتنام في العام 1965، والتدخل السوفياتي في تشيكوسلوفاكيا في العام ١٩٦٨.

بدء الانفراج

إن الانفراج في العلاقات لم يتحوّل إلى مسألة واقعية إلا بوصول ريتشارد نيكسون إلى سدّة الحكم في الولايات المتحدة، بحيث اعترف بأن الاتحاد السوفياتي قوة عظمى لها مصالحها ووزنها الدولي وكان من أهم مظاهر هذا الانفراج توقيع العديد من الاتفاقيات والمعاهدات أهمها اتفاقيات الحد من التسلح، وحظر التجارب النووية في الجو والفضاء الكوني وتحت الماء.
كذلك تم التوصل إلى معاهدة تقضي بالحد من نشر منظومات الدرع الصاروخية، وأخرى تنص على الإجراءات الرامية إلى الحد من الأسلحة الإستراتيجية الهجومية، بالإضافة إلى التدابير الرامية إلى تطوير التجارة وغيرها من العلاقات الاقتصادية.

ونلفت هنا إلى حصول العديد من الزيارات المتبادلة بين البلدين من قبل رؤساء ومسؤولين ووفود من أرفع المستويات، لتأكيد النهج الجديد في العلاقات وإرساء قواعد على أسس ومرتكزات جديدة.
وقد استمرّت هذه السياسة بعد استقالة نيكسون، مع الرئيس الأميركي الجديد جيرالد فورد فوقّعت في مايو 1976 اتفاقية التجارب النووية تحت الأرض المحققة للأغراض السلمية.

كما يمكن القول أن العلاقات بين الجبارين قد سادها الكثير من التقلبات والتدخلات والتعقيدات نظرًا إلى تشابك الأحداث وتعدّدها داخل المرحلة

الواحدة. كما أن هذه الحرب الباردة قد اتسمت بجملة من الخصائص من أبرزها المستوى العالي من الصراع الذي تخلّله بعض مظاهر التعاون النسبي التي تقتضيها مصلحة كل منهما. فحتى في أوج الحرب الباردة كان هناك انفراج وتعاون في بعض المسائل، وفي مرحلة الانفراج في العلاقات لوحظت عودة إلى الحرب الباردة بأخطر مظاهرها، وذلك بسبب تعاقب الأحداث وتداخلها في جميع المراحل وقد أظهرت كلتا القوتين الحرص الشديد خلال حقبة الحرب الباردة على تجنّب وقوع حرب مباشرة بينهما، وصولاً إلى مرحلة تفكّك الاتحاد السوفياتي في العام 1991، ودخول العالم مرحلة مفصلية جديدة في العلاقات الدولية.

ب-العلاقات بين الجبارين بعد الحرب الباردة

أدخل انهيار الاتحاد السوفياتي معطيات جديدة في السياسة الدولية، إذ أصبح النظام الدولي أحاديّ القطبية بزعامة الولايات المتحدة، كما أصاب التغيير مفاهيم العلاقات الدولية ومسلماتها، فبالإضافة إلى العامل العسكري، أصبح العامل الاقتصادي والتكنولوجي يحتلّ مكانة مهمة في تصنيف الدول في النظام العالمي الجديد، هذا وحاولت روسيا الاتحادية انتهاج سياسة جديدة قوامها الاتجاه نحو الغرب بصفة الشراكة بهدف الخروج من الضائقة الاقتصادية، وقد عبرّت عن ذلك من خلال مجموعة خطوات اتخذتها، من بينها الانضمام إلى المؤسسات الغربية الاقتصادية والسياسية والتوافق مع الغرب في القضايا ذات الاهتمام المشترك، في محاولة لجعل الغرب يتقبّل روسيا بوصفها دولة صديقة بعد الحرب الباردة، بالإضافة إلى المضي قدمًا في محادثات نزع السلاح، بعد أن أدركت عدم إمكانها استمرار إنتاجه وتحمل تكاليف تحديثه، بالإضافة إلى سياسة الانفتاح على المستوى الدبلوماسي والسياسي في اتجاهات أكثر واقعية مع المتغيّرات الدولية.

وفي فبراير من العام 1992، تم التوقيع على وثيقة التعاون بين الرئيس السابق الامريكى جورج بوش والرئيس الروسي السابق بوريس يلتسين، حيث تم الاتفاق على الميثاق الروسي للشراكة والصداقة. إلا أن ظهور متغيّرات جديدة في آسيا الوسطى، دعا روسيا الاتحادية إلى إعادة التفكير في توجّه سياستها الخارجية بحيث نشأ في حينه التنافس التركي الإيراني على آسيا الوسطى، مما هدّد المصالح الروسية في تلك المنطقة، بالإضافة إلى تدفّق الروس بأعداد كبيرة من دول الجوار الغربية الأمر الذي هدّد الاقتصاد الروسي مع تصاعد التيارات الأصولية المتطرّفة في آسيا الوسطى، والذي شكّل تهديدًا للأمن القومي الروسي ووحدة الأراضي الروسية، حتى أن دول آسيا الوسطى بدأت تطالب روسيا بأن تؤدّي دورًا أمنيًا في تلك الدول لعدم قدرتها على القيام بذلك بنفسها.

في المقابل فإن الولايات المتحدة لم تساند روسيا في توجهها الجديد، بل عمدت إلى إضعاف الجسم الروسي عبر تعزيز الدعم الاستخباراتي للمقاتلين الشيشان في معركتهم للانفصال عن روسيا. من هنا نقول بأن علاقة روسيا الاتحادية بالولايات المتحدة لم تتعدّ حدود العلاقات السياسية الودية لإنهاء مظاهر الحرب الباردة، من دون الحصول على شيء ملموس وواقعي ينتشلها من أزماتها الخانقة.

وهكذا، ظلت العلاقات الامريكية -الروسية خلال العقد الأخير من القرن

العشرين بين مدّ وجزر، إذ سعت الولايات المتحدة إلى الحفاظ على تفوّقها العسكري عن طريق تحديث قواتها وتسليحها والسعي إلى عدم ظهور قطب آخر ينافسها على الساحة الدولية.

وبغضّ النظر عن العولمة والتطوّر الاقتصادي، تحوّلت أولويّات السياسة الخارجية الروسية إلى التشدّد في المحافظة على مصالح القومية الروسية، وتعميق التوجه الأوراسي لكبح جماح الولايات المتحدة التي تحاول تهديد الأمن القومي الروسي عن طريق إثارة الأزمات ودعم الحروب الدائرة قرب الحدود الروسية والعمل على توسيع دائرة حلف شمال الأطلسي شرقًا وجنوبًا، بالإضافة إلى نشر الصواريخ وإقامة القواعد العسكرية الدائمة.

ج-العلاقات الروسية-الامريكية في القرن الحادي والعشرين

شهدت العلاقات الامريكية -الروسية توجهًا جديدًا نتيجة التحوّل الذي طرأ على نوعية القيادة في كلا الطرفين، بالإضافة إلى رواسب الحرب الباردة وتداعياتها التي أثرت في نظرة البلدين أحدهما إلى الآخر. ومن الواضح بأن توجهات القيادتين قد اصطدمت في ما بينها ولم تلتق إلا في نقاط قليلة ونادرة، فكان التنافس والتوتر السمة المميزة للعلاقة بينهما، الأمر الذي دفع أطرافًا أخرى إلى الاستفادة من هذا الشكل في العلاقة، وقد تكون إيران ربما من أبرز المستفيدين إذ أدّت الحاجة الروسية إلى ممارسة الضغط من قبل روسيا إلى توسيع تعاونها مع إيران في برنامجها النووي.

هذا وتميّزت هذه الحقبة ببروز أحداث في غاية الأهمية كان لها الأثر المباشر في نمط العلاقات بين الطرفين، فانطلاقًا من أحداث الحادي عشر من سبتمبر في العام 2001، أصبح العالم يعيش مرحلة جديدة تختلف كليًا عن المراحل السابقة ما دفع الولايات المتحدة لإكمال سياستها الكونية الرامية إلى السيطرة على العالم من خلال المضي قدمًا في محاربة الإرهاب على جميع أصقاع الأرض، مع ما يستوجب ذلك من أفعال وقائية وحروب استباقية تندرج في هذا السياق.

وفي إطار هذا التوجه، أيّدت روسيا الغزو الامريكية لأفغانستان في العام 2001، وسهّلت عملية إنشاء قواعد عسكرية في أوزباكستان لاستخدامها في الغزو ضد أفغانستان.

وفي المقابل، اعترفت الولايات المتحدة للقيادة الروسية بأن منطقة آسيا والقوقاز، هي منطقة نفوذ روسي، كما تم إبرام اتفاقيات ومواثيق، وعقد قمم على مستوى رؤساء الدول ووزراء الخارجية، ولقاءات على أرفع المستويات بشكل غير مسبوق، وذلك في إطار بلورة العلاقات بين الدولتين في مجال الاستقرار الاستراتيجي والتعاون وحل النزاعات القائمة.

هذا وقد ناقش كلا الطرفين مستقبل العلاقات بينهما، في ضوء طرح عدد من الأزمات الدولية، التي تشكّل بؤرًا للتوتر بين الولايات المتحدة وروسيا، بسبب اختلاف وجهات النظر، والمصالح المتحكّمة بمواقفهما إزاء تلك القضايا. فروسيا عارضت غزو العراق من دون موافقة مجلس الأمن، ومن ثم طالب الرئيس الروسي بأن تستكمل لجان التفتيش البحث عن أسلحة الدمار الشامل وأن تعلن النتائج، الأمر الذي رفضته الولايات المتحدة وعملت على إنهاء عمل تلك اللجان.

كذلك ساءت العلاقات حيال العديد من القضايا الدولية وأبرزها مسألتا

جورجيا في العام 2008، ونشر الولايات المتحدة الدرع الصاروخي في بولندا وتشيكيا، الأمر الذي رأت فيه موسكو تهديدًا مباشرًا لأمنها القومي، يضاف إلى ذلك سعي الإدارة الامريكية إلى تحقيق استقلال إقليم كوسوفو عن جمهورية صربيا المقرّبة من روسيا، فضلاً عن الملف النووي الإيراني الذي أثارته الإدارة الأميركية مع روسيا التي تعدّها أميركا الحليف العسكري لإيران، في سعي منها إلى فك ذلك الحلف ومنع تصدير التكنولوجيا النووية إلى هذا البلد. لما في ذلك من تهديد للمصالح الأميركية في كل من الخليج العربي، وفي الصراع العربي-الإسرائيلي.

ومن القضايا التي شكّلت مؤخرًا بؤرة جديدة للتوتر بين الدولتين، مسألة الربيع العربي وبصورة خاصة الأزمة السورية لما لها من خصوصية إقليمية ودولية ومحط حسابات فعال، حيث تحوّلت هذه الأزمة إلى صراع دولي من الطراز الرفيع يشبه إلى حدّ ما الحرب الباردة بين الشرق والغرب، ودخلت أحداث هذا البلد في بازار التجاذبات والمساومات بين الدولتين العظميين وفق المصالح السياسية والاقتصادية والعسكرية.

القسم الثاني: حلبة الصراع الامريكى-الروسي

تكاد تكون مسألة النزاع الامريكى -الروسي حول سوريا أكثر ما يُشغل العالم اليوم، لما لها من تأثير على السلم العالمي والعلاقات الدوليّة في العديد من أزمات العالم وبؤره المشتعلة، حيث احتلّت هذه الأزمة صدارة الأحداث السياسيّة العالمية في السنوات الأخيرة. كما انتشرت أخبارها في جميع أنحاء العالم، وأصبحت في مقدمة الأزمات والمشاكل، وموضوعًا لاستقطابات دوليّة، وقد أشار ذلك لأوّل مرّة إلى بداية تمرّد منهجي من قبل موسكو، على القطبيّة الأحاديّة للعالم التي مارستها واشنطن منذ العام 1989، وهو شيء جديد لم نره في أزمة حرب الخليج، ولا في أثناء الغزو الأميركي للعراق.

ومِمَا لا شكّ فيه، أنَّ المصالح الإستراتيجيّة لكل من الولايات المتحدة وروسيا تتقاطع في بعض المجالات، وتختلف في مجالات أخرى، لكن القاسم المشترك بينهما أنَّ القوتين حريصتان جدًّا على أن يكون لهما نفوذ قوي في هذه الدولة، ذات الموقع المميّز والإستراتيجي، بهدف تعزيز مركزيهما الإقليميين، وتحويل موازين القوى لصالح كل منهما.

سوريا بالنسبة إلى روسيا، هي واحدة من أهم الدول في منطقة الشرق الأوسط، وحجر الزاوية للأمن فيها، وبالتالي فإنَّ أي زعزعة لاستقرارها سيؤدي إلى عواقب وخيمة وفوضى حتميّة ليس فيها وحسب، بل سيمتّد إلى المنطقة بأسرها وسيشكّل تهديدًا حقيقيًّا للأمن الإقليمي ككل.

أمّا الولايات المتحدة الامريكية، فتعتبر سوريا، خصوصًاً في العقود الخمسة الأخيرة، متورّطة في دعم الإرهاب، من خلال دعمها لحركات المقاومة في فلسطين والجماعات الكرديّة ولحركات المقاومة في العراق ولبنان. والمحافظون الجدد والمتطرّفون في الإدارة الامريكية، يعتقدون أنَّ الولايات المتحدة لديها مصلحة إستراتيجيّة قوية في نشوء سوريا، ما بعد النظام الحالي مع حكومة معتدلة، تحترم حقوق الإنسان وتتمسّك بحكم القانون، فسوريا، وفق هؤلاء، لاتزال تشكّل تهديدًا للإستراتيجيّة الأميركية

والمصالح الأمنيّة في الشرق الأوسط، من خلال رعايتها للجماعات المسلّحة التي تعتبرها الولايات المتحدة جماعات إرهابيّة، كما تعتبر كذلك أنَّ سوريا قد طوّرت برامج يُشتبه بأنها أسلحة دمار شامل، وأنها عزّزت علاقاتها السياسيّة والعسكريّة مع الدول “المارقة” مثل كوريا الشمالية وإيران.

تصاعد الدور الروسي ومصالحه الاستراتيجية في سوريا

أ-استراتيجيّة الأمن القومي والدبلوماسيّة الروسية

إنَّ قراءة معمّقة لإستراتيجيّة الأمن القومي الروسي الصادرة بموجب وثيقة بتاريخ 13/5/2009، بعد أن اعتمدها رسميًا وصادق على بنودها الرئيس الروسي ديمتري ميدفيديف بمرسوم صدر بتاريخ 12/5/2009، توضح بشكل كلي النهج المُتّبع من قبل روسيا في الأزمة السورية. فمنذ ذلك الوقت سعت الإدارة الروسية إلى استعادة مكانة روسيا كقوة عُظمى موازية للغرب بخاصةٍ في الشرق الأوسط، حيث تُمثّل سوريا موطئ القدم الأكثر أهميّة فيه جغرافيًّا وسياسيًّا وإستراتيجيًّا[1].

يُشكّل ضمان الأمن القومي الروسي أولوية في إطار عمل الدولة، ويتبلور الهدف الرئيسي في هذا المجال في جهوزية الاستجابة الملائمة للتهديدات التي تواجه العالم في القرن الواحد والعشرين، مع ترشيد الإنفاق العسكري.

وتَمِيلُ سياسة روسيا الاتحادية إلى اتخاذ الإجراءات السياسيّة والدبلوماسيّة وغير العسكريّة لمنع الصراعات المسلّحة، إلاَّ أنَّ مصالح الاتحاد الروسي القوميّة تقتضي الحفاظ على منظومة عسكريّة تكون قادرة على الدفاع عن الدولة ومصالحها الداخليّة والخارجيّة، وضمان أمنها العسكري[2].

تتمثّل المهمة الأساسيّة لروسيا الإتحادية في ردع أي عدوان، من أي نوع كان، ضدها أو ضدّ أحد من حلفائها. كما تقوم هذه الإستراتيجيّة على وجوب امتلاك قدرات نوويّة باستطاعتها إلحاق ضرر معنوي في حال قيام أي دولة، أو تحالف دولي، بالاعتداء عليها في أي ظرف.

إنَّ تشكيل القدرة القتالية للقوات الروسية يجب أن يخدم هدفين أساسيين: الأول أن يكون كافيًا بحيث يضمن حماية الدولة من أي اعتداء جدّي خارجي، والثاني ضمان انتشار القوات الروسية استراتيجيًّا لتنفيذ المهمات في حال الحروب الخارجيّة، تأكيدًا على إقامة تعاون فعّال مع الدول الحليفة.

إنَّ ضمان مصالح الأمن القومي لروسيا الاتحادية يستلزم وجودًا روسيًا عسكريًّا في بعض المناطق في العالم ذات الأهميّة الإستراتيجيّة. كما أنَّ انتشار التشكيلات العسكريّة المحدودة كالقواعد العسكريّة والقوات البحريّة في تلك المناطق بمقتضى الاتفاقيات والقانون الدولي، ووفق مبادئ الشراكة، يهدف إلى ضمان قدرة روسيا على الإيفاء بالتزاماتها، وتسهيل خلق توازن عسكري إستراتيجي في تلك المناطق، كما أنَّ ذلك يمنحها إمكان التعامل مع مواقف الأزمات في مراحلها الأولى ويسهّل تحقيق أهداف السياسة الخارجيّة للدولة.

أقرّت الإدارة الروسية بوجود العديد من العقبات في وجه تنفيذ الإستراتيجيّة الأمنيّة، ولاسيما في ما يتعلّق بتحديّات الطاقة ومصادرها الطبيعيّة، فضلاً عن توسّع حلف الناتو ومنظومة الدرع الصاروخية الأميركية، وتصاعد وتيرة المجموعات المتطرّفة والمنظمات الإرهابيّة الأجنبيّة.

يُعدّ المخرج الذي انتهى إليه الجدل الخاص في توجيه الضربة العسكريّة للنظام السوري، انتصارًا للدبلوماسيّة الروسية على نظيرتها الأميركية، خصوصًا أنَّ موسكو نجحت في الحصول على تنازلات من واشنطن حول كيفية تسوية الصراع في سوريا، تُرجمت في القرار 2118، الذي يعكس التصوّر الروسي أكثر من الأميركي. فقد نجحت روسيا في تجنّب تكرار سيناريو العراق 2003 في سوريا، الذي يُعدّ السيناريو غير المرغوب فيه من قبل موسكو، من خلال وضع الدبلوماسيّة الروسية عقبات أمام تكرار هذا السيناريو، من خلال القرار 2118.

فَصَلَ القرار المذكور بين المسألة الكيميائية، وتسوية الصراع، وأفرد عددًا من البنود لكل من القضيتين، وبالتالي حال دون أن يتم استخدام القضية الكيميائية كمبرّر لتوجيه ضربة للنظام من أجل تسوية الصراع مع المعارضة، كما حدث في العراق في العام 2003، حيث تم التضخيم من خطر امتلاكه لأسلحة الدمار الشامل، وتمَّ استخدام ذلك كغطاء لإسقاط نظام صدام حسين.

وقد نصّ هذا القرار على أنه في حال عدم التزام “أي طرف” به، فسيتّم فرض إجراءات استنادًا إلى الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، ما يعني أنَّ النظام لا يتحمّل المسؤوليّة الكاملة عن تنفيذ القرار والتعاون مع المفتشين، حيث تتحمّل المعارضة المسؤوليّة أيضًا، إذ نصّ القرار على أنه يحظّر على “أي طرف” أن يستخدم، أو يطوّر، أو ينتج، أو يمتلك، أو يخزن، أو ينقل الأسلحة الكيميائية، وتعكس هذه الصيغة القراءة الروسية للوضع في سوريا، والتي تقوم على أنَّ من يتحمّل مسؤولية الوضع هناك ليس النظام فقط، وإنما أيضًا الجماعات المعارضة، والقوى الإقليميّة التي تدعمها.

اتجهت روسيا مؤخرًا إلى تقديم نفسها كبديل، أو منافس موازٍ للولايات المتحدة في المنطقة، بل ومختلف، سواء من حيث رؤيتها لمستقبل المنطقة، أو للدور السياسي للجماعات الإسلاميّة التي سارعت واشنطن إلى دعمها، وهو ما يعني عمليًا أنَّ هناك اختلافات بين الرؤيتين الأميركية والروسية للمنطقة انطلاقًا من مصالحهما الإستراتيجيّة.

ب-الروابط المشتركة والعلاقات التاريخيّة والاقتصاديّة بين روسيا وسوريا

ومن الواضح أنَّ صلابة الموقف الروسي الثابت من الأزمة السورية كان محطّ رهان الكثيرين لناحية تبدّله، أو انخفاض مستوى دعمه للنظام الحالي، وقد أضحى نموذجًا يُحتذى به على صعيد المنطقة حيث يرتبط البلدان بعلاقات سياسيّة وثيقة وإستراتيجيّة منذ قيام الحركة التصحيحيّة. ويواصلان العمل بدأب للرقيّ بالعلاقات الاقتصاديّة والثقافيّة والعلميّة كي تواكب مسار العلاقات السياسيّة والعسكريّة القائمة بينهما، وهذا عائد إلى التوافق والانسجام والتناغم في السياسة الخارجيّة للدولتين لناحية الإستراتيجيّة الأمنيّة القوميّة والاقتصاديّة[3].

كان الاتحاد السوفياتي من أوائل الدول التي اعترفت باستقلال سوريا، وأقامت علاقات دبلوماسيّة معها في العام 1944، وتعزّزت العلاقات السورية-الروسية بشكل كبير لترتقي إلى التحالف الإستراتيجي بعد وصول الرئيس حافظ الأسد إلى سُدّة الرئاسة إثر الحركة التصحيحيّة في العام 1970، فبعد طرد السوفيات من مصر، اضطّر الكرملين إلى البحث عن بديل في الشرق الأوسط آنذاك، فكانت سوريا أفضل البدائل، فتدفّق السلاح إليها بشكلٍ لافت.

قدّمت القيادة السوفياتية بالإضافة إلى الدعم العسكري، المساندة اللازمة في بناء البنية التحتيّة للاقتصاد السوري في مجال الطاقة والصناعات المعدنية والمشاريع المائية والكهربائية والسدود كسد الفرات، وكذلك بناء مصانع لإنتاج الأنابيب من الحديد والصلب، بالإضافة إلى إنشاء خطوط حديديّة وتجهيز سكك القطارات التي ربطت مناطق الإنتاج الزراعي بالموانئ في طرطوس واللاذقية.

استمر تنامي حجم التبادل التجاري وازدياده بين البلدين بوتيرة عالية، كما تمّ إبرام العديد من الاتفاقيات الضخمة والمشاريع التي زادت عن مئة مشروع تجاري واقتصادي، فضلاً عن الروابط الثقافيّة التي تجمع البلدين. فسوريا هي أقرب حلفاء روسيا في العالم العربي لأكثر من أربعين عامًا، وخلال تلك الفترة انتقل العديد من الروس إلى سوريا، كما تمّ إرسال الآلاف من الطلاب السوريين للدراسة في روسيا في مجالات شتى، وما تبعه من تزاوج كبير بين الشعبين فضلاً عن دور “جمعية العلاقات الثقافيّة” و”جمعية الصداقة الروسية السورية” في تعزيز هذه الروابط.

في مجال النفط

بلغت استثمارات روسيا في سوريا في العام 2009 حوالى عشرين مليار دولار. وأهم المجالات الاقتصاديّة المدنيّة التي تخدم المصالح الروسية في سوريا، مجال التنقيب عن النفط والغاز وإنتاجهما، حيث نجد شركتي “تاتنفت” و”سويوزفت غاز” الروسيتين تقومان حاليًا باستخراج النفط في سوريا[4].
كذلك حصلت مجموعة “ذا نورث ويسترن غروب” على مناقصة في العام 2008 لتشييد مصنع لمعالجة البترول بالقرب من دير الزور. كما تخطّط شركة “جيوريسرس” المتفرّعة من شركة “غازبروم” الروسية العملاقة للمنافسة في مناقصات للتنقيب عن النفط[5].

تنخرط الشركات الروسية في تنفيذ مشاريع أخرى في مجال الطاقة بما في ذلك الخطط التي أعلنتها شركة “روساتوم” الروسية في العام 2010 لبناء أول مفاعل لإنتاج الطاقة النوويّة، بالإضافة إلى الخدمات المستمرة من شركة “تخنوبر مكسبورت” الروسية لمرافق إنتاج الطاقة التي أقامتها في سوريا[6].

تشارك شركات روسية أخرى مثل “سوفنترافود” و”رسغيدرو” أيضًا في مشاريع للري في هذا البلد، فقد وقّعت “رسغيدرو” عقدًا لتصميم مجمع للري على نهر دجلة.

تضطلع شركات التصنيع الروسية أيضًا بدورٍ في الاقتصاد السوري، فشركة “أورالماش” أبرمت عقدًا في العام 2010 لتزويد شركة سورية معداتٍ للتنقيب عن النفط. في أيلول/سبتمبر من العام 2011 وقّعت شركة “توبوليف آند أفياستار أس بي” مذكّرة تفاهم لتزويد الخطوط الجويّة السورية ثلاث طائرات ركاب طراز تي يو 204 إس إم، وبمركز لخدمات هذه الطائرات.

في مجال الغاز

يأتي الغاز في أولوية مصادر الطاقة في القرن الواحد والعشرين، خصوصًا بعد تراجع منسوب الاحتياطي النفطي، بالإضافة إلى أن استخراج الغاز وتكريره أقل كلفة، وقد أطلق عليه اسم الطاقة النظيفة، وبالتالي فإن السيطرة على الغاز وخطوط إمداده، أصبحت من الركائز الإستراتيجيّة في سياسة الدول الكبرى، وهذا ما تجلّى في الصراع الدائر حول الأزمة السورية، إذ تعدّى بالتأكيد الأسباب الظاهرية الداخليّة، حيث أنَّ جيوسياسيّة الغاز تكمن في جوهر العلاقات الدوليّة.
لدى سوريا احتياطي مؤكد من الغاز على اليابسة يُقدر بـ0,3 تريليون م٣ حسب أرقام العام 2011، أي ما يعادل 10% من إجمالي احتياط العالم. بلغ إنتاج سوريا من الغاز خلال العام 2010 حسب المعطيات والمعلومات الرسمية السورية معدل 36 مليون م٣ يوميًا. وقد أنتجت 3,8 مليار م3 في العام 2011، واستهلكت نحو 9,8 مليار م3، لذلك استوردت الغاز من مصر عبر أنبوب الغاز العربي[7].
إرتفع الإنتاج المحلي للغاز بنسبة 10% في العام 2011، على الرغم من حالة التوتر التي تعيشها سوريا، لكنه عاد وانخفض في السنوات اللاحقة نتيجة استمرار الأوضاع الأمنيّة السيئة[8].
إنَّ اكتشاف حقول الغاز في المتوسط مقابل الشواطئ السورية واللبنانية، والمعلومات المتوافرة تؤكد أنَّ هذا الحوض هو الأثرى في العالم[9]، كما عمدت سوريا إلى منح شركة “غازبروم” الروسية امتياز استخراج الغاز في هذه الحقول الموجودة قبالة السواحل السورية.
هذا وأبرمت شركة “تاتنفت” عقدًا في العام 2003، وتمَّ حفر بئرها الأول في العام 2010 في حقل كشما الجنوبية. وشيّدت “سويوزفت غاز” أنبوبًا لنقل الغاز الطبيعي ومصنعًا لمعالجته، وتقوم حاليًا ببناء مصنع آخر بالقرب من الرقّة التي تبعد مائتي كيلومتر شرق حمص، يستطيع معالجة 1.3 مليار متر مكعب من الغاز[10].
إنَّ معرفة السرّ الكامن وراء الغاز السوري سوف تُظهِر حجم الصراع ونتائجه، لأن من يسيطر عليه سوف يتحكّم بمكامن القوة خصوصًا أنَّ القرن الواحد والعشرين هو عصر الطاقة النظيفة من دون منازع[11].

في المجال العسكري

إن سوريا هي البلد العربي الوحيد الذي لم تتأثّر علاقته العسكريّة في روسيا بعد سقوط الاتحاد السوفياتي، وظلّ حتى هذه اللحظة يعتمد في تسليح جيشه على السلاح الروسي. إنَّ حيويّة العلاقة بين البلدين وأهميتها الإستراتيجيّة هي التي دفعت بالروس إلى المضي قُدُمًا في تزويد سوريا السلاح الدفاعي المتطوّر، وقد تضمّن ذلك منظومة متطوّرة من الصواريخ الباليستيّة والمضادة للطائرات وغيرها من أنواع الأسلحة. وقد أقدمت موسكو على ذلك غير آبهة بردود الفعل الإسرائيلية والأميركية الغاضبة.

إنَّ تنامي العلاقة بين البلدين في مجال التسليح تعزَّز بصورة أشدّ، عند قيام روسيا بشطب 80% من الديون السورية والبالغة ثلاثة عشر مليار دولار، وذلك بموجب اتفاق وُقِّع بين البلدين في العام 2005 [12].

وقد تعزّز التعاون العسكري بين البلدين في مجال البحريّة، فقاعدة طرطوس تأتي في قائمة المصالح الإستراتيجيّة والعسكريّة الروسية في سوريا، حيث أنها تشكّل القاعدة البحريّة الوحيدة في المتوسط، لتقديم التسهيلات البحريّة اللوجستيّة والفنيّة الضروريّة للسفن الروسية والقطع الحربيّة بهدف خلق حالة من التوازن مع الأسطول السادس الأميركي، بعد أن تمّ تأهيل الميناء بدعم روسي.

إنَّ الروس يعتبرون طرطوس بوابة إستراتيجيّة، ليس للبحر المتوسط فحسب، بل للمحيط الأطلسي عبر مضيق جبل طارق، والبحر الأحمر عبر قناة السويس. ويوجد في القاعدة البحريّة في ميناء طرطوس مركز لتأمين المستلزمات التقنيّة لسفن الأسطول الحربي الروسي، وثلاث منصّات عائمة، وحوض إصلاح سفن، ومستودعات.

إنَّ هناك وجودًا دائمًا للقطع البحريّة في أسطول البحر الأسود للدلالة على الحضور الروسي في هذه المنطقة التي يَلُفُّها التوتّر، ولاستخدامها في إجلاء الرعايا الروس عند الحاجة، مثل سفينة “إمان” وسفينة “إيفان بونبنوف” التي تحمل على متنها وحدة مشاة بحريّة روسية. تجلّى الوجود العسكري الروسي في المتوسط، في تزايد المناورات العسكريّة التي أجرتها البحريّة الروسية والتي اشتركت فيها حاملة الطائرات الروسية “الأميرال كوزنيتسوف” بالإضافةً إلى الزيارات العسكريّة المتبادلة للوفود ولقادة الأساطيل البحريّة لتطوير القدرات البحريّة السورية وميناء طرطوس وتعزيز دورها في المتوسط.

إنَّ الحذر الروسي من انعكاسات ما يُسمَّى بالربيع العربي يتصل بالنظرة إلى الشرق الأوسط المترابط مع آسيا الوسطى، من هنا التشديد على هذه الواجهة البحريّة في الوصول إلى المياه الدافئة، إذ يُتيح المرور عبر الخط الإستراتيجي نحو البحر الأبيض المتوسط، الوصول إلى المحيط الهندي وحماية الخاصرة الجنوبية لروسيا. وتحاول هذه الأخيرة التشبّث بموطئ قدم في شرق المتوسط باعتبار أنّ أمن الممرات المائيّة هو من الركائز الإستراتيجيّة في سياستها الخارجيّة، وهي لا تتساهل مع أي إخلال يُمكن أن يُعرّض هذه الممرّات للخطر.

إنَّ عمق الروابط المشتركة بين الروس والسوريين على مرّ التاريخ يجعلنا نستذكر ما قالته كاترين الثانية إحدى القياصرة الروس في النصف الثاني من القرن الثامن عشر: “مفتاح قصري في الكرملين موجود في دمشق…” مقولة تعكس مدى العلاقات التاريخيّة والاستراتيجيّة بين البلدين.

ج-نمو الجماعات المتطرّفة والإرهابيّة

إنَّ تاريخ روسيا مع الإرهاب قديم، منذ أيام الأمبراطوريّة الروسية. تَعتَبِر موسكو أعضاء هذه المنظمات قتلة وإرهابيين، وتتخوّف من امتداد نشاطاتهم، لذلك عملت على محاربتهم في أفغانستان والشيشان والقوقاز، وهي تعاملت بواقعية مع هذا الملف، وجاهدت للقضاء عليهم ليس في روسيا فحسب إنما في الدول الحليفة التي تدور في الفلك الروسي. ما شهدناه مؤخرًا من قيام انتحارية من الأرامل السود بعملية تفجير في فولغراد لهو أكبر دليل على دفع روسيا أثمان الإرهاب، وسعيها الدؤوب إلى محاربته وحصر مفاعيله.

هذا ودعمت روسيا نظام الحكم في دمشق منذ بداية الأزمة، ومع تطوّر الأحداث واتخاذها مجريات متناقضة، تزايد الدعم الروسي بجرعات أكبر كانت أحيانًا تتعارض مع المصالح الروسية، والسؤال المطروح ما هي الخلفية الحقيقية لهذا الدعم وما هي أبعاده؟

إنَّ الإجابة البدهية عن هذا التساؤل تَعْرِض جُملةً من الأسباب الاقتصاديّة والعسكريّة والإستراتيجيّة، إنما تبقى نواحٍ غير مكشوفة إعلاميًا وغير متداولة باعتبارها دوافع خفيّة تتمثّل بالقلق الروسي من تنامي الجماعات السلفيّة المتطرّفة، ومن استيلائهم على السلطة. وهذا في الواقع أهم الأسباب لدعم النظام السوري في مواجهته انتشار الحركات الأصولية وبالتالي وصوله إلى الجمهوريات السوفياتية السابقة والقوقاز والجمهوريات المسلمة في روسيا[13].

كان لروسيا تجربة مريرة في هذا السياق إبّان سقوط الاتحاد السوفياتي وانتشار الفوضى والاضطرابات في الجمهوريات المستقلة، وتحرّك المجاهدين المتطرّفين من أفغانستان والحركات الأصولية والمجموعات الإسلاميّة الأخرى من باكستان وتركيا باتجاه المناطق المسلمة في الاتحاد السوفياتي السابق أو ما يُعرف بمنطقة “الخارج القريب”. وقد أدّى نمو التيارات الإسلاميّة المتطرّفة إلى تكبيد موسكو نفقات ضخمة وإلى قلق كبير، باعتبار أنَّ تهديد الإسلام المتطرّف للحدود الروسية من أهم التحدّيات الأمنيّة التي تواجه البلاد. بالتالي فإنَّ هذا القلق مردّه إلى نشوب اضطرابات وحدوث تغييرات في هذه الدول، قد توصل السلفيين إلى السلطة، وعندها تُصبح روسيا محاصرة من قبل أنظمة متطرّفة. والمعروف أنَّ الفكر السلفي لا يتقبّل باقي الأديان وحتى باقي المذاهب ولا يعتقد بالتغيير السياسي الهادئ والمتدرّج، ويبرّر استخدام العنف كأداة مشروعة لمواجهة ما يعتبره أتباع هذا التيار أعداء الإسلام.

أدرك المسؤولون الروس وفق بيانات رقمية الارتباط بين التيارات الإسلاميّة المتطرّفة الموجودة في آسيا المركزيّة وسوريا وبين الدّعم الأميركي لهذه التيارات، وأدركوا أيضًا الخطر الداهم لتنامي هذه المجموعات بالوتيرة فائقة السرعة، من خلال تحضير الأرضيّة الخصبة لهم وباتوا على يقين بأن يروا قريبًا هذه التيارات تدخل عقر دارهم، قادمة من القوقاز والشيشان وغيرهما.

إنَّ تصاعد تأثير الإسلام المتطرّف في المعارضة السورية، عزّز الزخم الروسي في تقديم جميع أشكال الدعم لنظام الحُكم، وتأييد روسيا أكثر فأكثر للرئيس الأسد، لأنَّ انتصار السلفييّن في سوريا سيعزّز قوة التيارات المتطرّفة في آسيا المركزيّة وبالتالي تطويق روسيا، لذلك فإنَّ هذه الأخيرة عازمة بكل ما لديها من قوة على منع وصول هذه المجموعات المتطرّفة إلى تحقيق أهدافها في سوريا.

تريد روسيا أن تكون شريكًا فاعلاً في صياغة الترتيبات العملانية بشأن الأزمة السورية لناحية الجماعات الإرهابيّة المتطرّفة، لما تعتبره من تأثير على أمنها القومي، وترفض أن تكون مجرّد ساعي بريد ينقل الطلبات الأميركية والغربيّة، من هنا يتّضح دورها المستمر في دعم النظام حتى هذه اللحظة من أجل ضمان دورها وأمنها ومصالحها والاعتراف بوجودها والحفاظ على نفوذها في سوريا والشرق الأوسط.

القسم الثالث: تجليات الصراع الأميركي-الروسي ودينامياته

أ-الاصطفاف السياسي حول الأزمة السورية

إنَّ تشعّبات الأزمة السورية على المستويات السياسية والأمنية والعملانية، أدّت إلى “خريطة طريق” داخليّة وإقليميّة، وجعلتها حاضرة في كل المؤتمرات والمحافل الدوليّة والإقليميّة، ومحور اللقاءات بين القادة والزعماء، كما تصدّرت جميع الملفات الساخنة على الصعيد الدولي حيث أضحت تُشبه إلى حدّ بعيد، على الرغم من اختلاف الظروف والواقع الدولي، أزمة الصواريخ الكوبيّة التي فرزت العالم إلى معسكرين، فباتت الجيوسياسيّة السورية محور صراع دولي وانقسامات في المواقف السياسيّة والإستراتيجيّة والميدانيّة.

إنَّ التحوّل في مواقف بعض الدول التي كانت تربطها علاقات جيّدة مع سوريا، هو من أهم مظاهر هذا الاصطفاف، ولاسيما تركيا التي بدّلت مواقفها تجاه سوريا من التعاون الإستراتيجي والتقارب إلى انعدام الثقة والتهديد، وتجييش المعارضة وذلك وفق مصالحها المرتبطة بالإستراتيجيّة الأميركية في المنطقة.

إنّ تقويم الموقف الروسي في ثباته تجاه الأزمة السورية يؤشّر إلى سابقة في العلاقات الدوليّة، فما حظي به النظام من القيادة الروسية لم يحصل عليه حليف آخر حتّى في أوج الحرب الباردة السابقة، إذ إنّ ممارسة حق النقض في مجلس الأمن ثلاث مرات متتالية خلال تسعة أشهر يدلّ على المكانة الاستثنائيّة للأزمة السورية في الحسابات الروسية على مختلف الصعد[14].

سعت روسيا منذ بداية الأزمة السورية إلى منع التدخّل الغربي في سوريا، ودعم النظام السوري في المحافل الدوليّة بالتعاون مع الصين، وفي المحافل الإقليميّة بالتعاون مع إيران، وفَرَضَت على النظام السوري استقبال المراقبين العرب، ومن ثمّ كانت روسيا وراء موافقة الرئيس السوري على الذهاب إلى جنيف واحد، وهي أيضًا الداعمة لسوريا في الذهاب إلى جنيف اثنين.

هذا واستفادت الإستراتيجيّة الروسية من انتصار النظام على المعارضة في القُصَير، ما زاد أوراق القوة في يدها للتفاوض مع الولايات المتحدة، ومن ثم انتصار حي الخالديّة في حمص، والتقدّم في ريف دمشق والقلمون، ليُثبِت كلُّ ذلك عدم قدرة التيارات السلفيّة المحاربة المحليّة والعالميّة على مواجهة الجيش النظامي.

إنَّ فشل المعارضة والثورة في إسقاط النظام، أجبر الولايات المتحدة على الدخول مباشرة في الحرب، عبر التهديد بشن ضربة عسكريّة ضدّ سوريا، بحجة استخدام السلاح الكيميائي من قبلها في معظميّة الشّام والغوطة في آب/أغسطس ٢٠١٣. التقط الروس الفرصة واقترحوا على الطرف الأميركي أن تقوم دمشق بالتخلّي عن سلاحها الكيميائي، لإنقاذ الرئيس الأميركي من الحرج الذي وقع فيه، بعد أن ذهب بعيدًا في التهديد بالحرب من دون أي غطاء أميركي أو دولي.

إنَّ موسكو معنيّة بشكل مباشر بالأزمة السورية، فإلى جانب المناورات البحريّة ودخول السفن المتتالي إلى القاعدة الروسية في ميناء طرطوس، فإنَّ التحرّك السياسي القوي تجلّى في رفض موسكو لعملية تقسيم سوريا في إطار المشروع الأميركي باعتبار أنَّ الأمن القومي الروسي يصل إلى ما بعد جبال طوروس.

إنَّ تمدُّد التطرّف والإرهاب الذي خرج عن نطاق السيطرة والتحكّم، دفع السفن الروسية إلى المياه الدافئة، ولاسيما أنَّ المعارضة السورية المتطرّفة هدّدت المصالح الروسية في سوريا، بالإضافةً إلى تهديد الرعايا الروس ومحاولات قصف القنصلية والسفارة الروسيتين، فجاء التحرك الروسي في إطار استباقي لأي استهداف محتمل، ورسالة ردع وإنذار.

سعت روسيا مرارًا إلى إظهار إختلاف المسألة السورية عن المسألة الليبيّة، وتداعيات التدخّل العسكري ونتائجه السلبيّة على غرار ما حصل في أماكن أخرى، من فوضى انتشار السلاح، وانتقال التطرّف والإرهاب عبر الحدود، كل هذه المعطيات يعتبرها الروس مطروحة للتفاوض حول مستقبل سوريا وتسليح المعارضة والجهاد العابر للحدود وغيرها من الملفات الساخنة.

انطلقت واشنطن من الكسب الذي حققته في موضوع السلاح الكيميائي السوري، الذي يُشكّل بالنسبة إليها مرتكزًا للتوصّل إلى توافقات حول البرنامج النووي الإيراني، والتقارب مع إيران بهدف الوصول إلى عقد جنيف اثنين في موعده، من أجل تحقيق كسب سياسي آخر.

إنَّ وصول الأزمة السورية إلى هذه المستويات المعقّدة، أخرجها من مداها المحلي إلى الإقليمي والدولي، وإنَّ هذه التكتّلات والاصطفافات المحليّة والدوليّة قد أخذت حيّزًا من الأزمة السورية، وفق مصالحها وأهدافها وتحالفاتها. فعملية شمال الأطلسي في ليبيا تحت غطاء دولي، شكّلت سببًا لموسكو لتحدّ من تكرار سيناريوهات مماثلة تعزّز النفوذ الأميركي من دون مراعاة المصالح الروسية.

ب-المبارزة الثنائية بين الجبّارين

إنَّ دعم روسيا للنظام السوري يعني بالضرورة مقاومة الغرب، على غرار ما قامت به سوريا عندما حوّلت ممانعتها ضدّ إسرائيل إلى أهميّة سوريا على المسرح الدولي، فإنَّ الممانعة الروسية حول سوريا تجعل من موسكو لاعبًا مهمًّا على المسرح الدولي لا يُمكن إتخاذ القرارات الدوليّة من دونه، استنادًا إلى إستراتيجيّة الأمن القومي الروسي.

عمدت روسيا إلى تزويد النظام بصواريخ “س س 200” في خضّم الأزمة غير آبهة بردود الفعل الأميركية-الإسرائيلية، معلنةً أنَّ ذلك تمّ بناءً على اتفاقية موقّعة مسبقًا بين الطرفين وهي مُلْزِمة التنفيذ، فضلاً عن العروض العسكريّة البحريّة والمناورات في البحر المتوسط التي شاركت فيها حاملة الطائرات “الأميرال كوزناسوف” والقطع البحريّة، قَابَلَها مناورات أميركية-إسرائيلية وتجارب إطلاق صواريخ ضمن سياق إظهار القوة والتلويح باستخدامها[15].

انطلقت في البحرين المتوسط والأسود أكبر مناورات بحريّة روسية منذ عقود بمشاركة أربعة أساطيل حربيّة والطيران الروسي تزامنًا مع التصعيد في الحرب السورية. فهذه المناورات والتدريبات تحمل رسائل مهمّة من ناحية المكان والتوقيت باعتبارها عامل استقرار في المياه الدافئة ممَّا يؤكّد تحوّل روسيا الإتحادية من الناحية الجيوسياسيّة إلى قوة بحريّة بالإضافة إلى كونها قوة برية.

ترفض الولايات المتحدة البحث في موضوع الدرع الصاروخي الذي يهدّد الأمن القومي الروسي. بالإضافة إلى منظومات صواريخ الباتريوت التي تنشرها الولايات المتحدة في تركيا في ظل غياب أي تهديد من طرف سوريا المستباحة حدودها من قبل تركيا التي تدعم المعارضة المسلّحة السورية وتسلّحها وتموّلها.

اعتمدت روسيا في هذا السياق إستراتيجيّة المراحل، في عملية سياسيّة شاملة كانت نواتها التوافق على مسألة السلاح الكيميائي السوري للذهاب في اتفاق شامل حول سوريا، فضلاً عن اتفاق حول الملف النووّي الإيراني، وذلك بهدف تثبيت مواقع النفوذ الجديدة، بالإضافةً إلى موضوع الدرع الصاروخي والتمدّد الأطلسي في أوروبا[16].

إنَّ الإستراتيجيّة الأميركية تهدف إلى تحويل الأراضي السورية إلى ساحة معارك استنزاف لجميع القوى المتحاربة لتصفية بعضها البعض، من أجل تنفيذ مخططات تُعيد تشكيل المنطقة، وفق مقتضيات المصالح الأميركية-الإسرائيلية، وترسيم الشرق الأوسط الجديد.

إنَّ الصراع في سوريا بين المعسكر الروسي من جهة والمعسكر الأميركي الغربي من جهة أخرى بات واضحًا، وتجلّى عبر النشاط الدبلوماسي الكبير مؤخّرًا في مؤتمر “جنيف اثنين”، إن من حيث الشكل أو من حيث المضمون. ولعلّ طريقة جلوس الوفود في هذا المؤتمر وإن من ناحية الشكل والصورة، هي خير معبّر ودليل لعمق الانقسام وحدّة الاصطفاف. فقد جلس وفد النظام إلى جانب وزير الخارجيّة الروسي، بالمقابل جلس وفد الائتلاف المعارض إلى جانب وزير الخارجيّة الأميركي في إطار واضح للصراع الدولي في الأزمة السورية من جهة، وتدويلها من جهة أخرى.
ج-تمايز الأزمة السورية

إنَّ الانتفاضة السورية التي بدأت في آذار/مارس من العام 2011 تحوّلت إلى حربٍ أهلية عنيفة ذات طابع طائفي قوي، وقد أدّى هذا النزاع المسلّح بين النظام والمعارضة إلى إنقسام المجتمع الدولي. ففي حين وقفت الولايات المتحدة والإتحاد الأوروبي ودول الخليج علنًا مع المعارضة المسلّحة ضدّ النظام، فإنَّه بالمقابل عارضت روسيا والصين ممارسة أي ضغوط على النظام، وكذلك فعلت إيران التي دعمته ماديًّا ومعنويًّا.

شكّلت الأزمة السورية اختبارًا للأسرة الدوليّة والأمم المتحدة بجميع أجهزتها، وبخاصة مجلس الأمن، في ظل هذا الاصطفاف الدولي، وإنَّ بروز الصين كلاعب سياسي جديد على الساحة الدوليّة قد قوّى الموقف الروسي بوجه الولايات المتحدة، فقد انضمّت بكين إلى موسكو في هذا الحلف، ما سمح للروس بتأدية دور قيادي مختلف، يغوص في دعمه حتى النهاية، وبالتالي خلق نمطًا من المعارضة الصينية-الروسية بوجه الولايات المتحدة الأميركية وأوروبا.

إنَّ الاصطفاف السياسي حول الأزمة السورية أدّى إلى تقسيم مجلس الأمن الدولي، وتأخير حل قضايا السيادة وحقوق الإنسان، خصوصًاً أنَّ الصراعات المسلّحة في أيامنا هذه باتت تحدث داخل الدولة وليس بين الدول، الأمر الذي يؤدّي إلى شلّ عمل مجلس الأمن الدولي المسؤول الأوّل عن السلم والأمن الدوليين.

إنَّ الصراع الأميركي-الروسي في الأزمة السورية يختلف اختلافًا جوهريًّا عمّا كان عليه خلال حقبة الحرب الباردة في الشرق الأوسط، الذي كان أساسًا حول الإيديولوجية والهيمنة الإقليميّة، أمّا اليوم فإنَّ في سوريا أزمة دوليّة بالإضافة إلى صراع محلّي حاد هو جزء من عملية تعمّ المنطقة، أُطلق عليها إسم “الربيع العربي”.

وقد أتت الأزمة السورية بعد اندلاع الأزمة في ليبيا، لكن الأوضاع في البلدين تطوّرت بشكل معاكس. ففي ليبيا تلقّت المعارضة لنظام القذّافي دعمًا حاسمًا من المجتمع الدولي وأصدر مجلس الأمن قراراته بإدانة النظام، وتمكّن حلف الناتو من التدخّل وإقامة منطقة حظر جوي، بالإضافة إلى الدعم الغربي السرّي للانتفاضة الليبية، وهذا ما أدّى إلى الإطاحة بالرئيس الليبي وقتله.

إعتبرت موسكو أنَّ حلف شمال الأطلسي تجاوز التفويض الممنوح له من مجلس الأمن لحماية المدنيين الليبيين، من خلال إنشاء منطقة حظر جوي، بالإضافة إلى تَدَخُّل مباشر، وقيامه بحملة عسكريّة واسعة في البلاد، الأمر الذي اعتبرته موسكو إهانة لها. وقد ساعدت هذه التجربة موسكو في ترسيخ موقعها بشأن الأزمة السورية وأكّدت منذ البدء أنه لن يكون هناك أي مجال لسيناريو شبيه بما حصل في ليبيا كي يُطبّق في سوريا.

د-تعطيل دور مجلس الأمن وفشل جامعة الدول العربيّة

فشلت الجهود الدوليّة في إيجاد مخرج للأزمة السورية، وسط تبادل الاتهامات بين السلطة والمعارضة، حول المسؤوليّة عن تزايد العنف، وعدم الالتزام بتطبيق التعهدات. كما فشل مجلس الأمن ومعه جامعة الدول العربيّة، في وضع حدّ للصراع الحالي، وتبنّي قرار موحّد بشأن سوريا[17].

إستخدمت كل من روسيا والصين حقهما في الفِيتو بتاريخ 4 تشرين الأول/أكتوبر من العام 2011 ضدّ قرار في مجلس الأمن بشأن معاقبة سوريا على انتهاكها لخطّة السلام، التي توصّل إليها مبعوث الأمم المتحدة والجامعة العربيّة، من خلال استخدام الأسلحة الثقيلة في المدن في أثناء المواجهة مع الثوْرة[18].

وقد صوّت لصالح هذا القرار تسع دول، وامتنعت أربع عن التصويت: الهند وجنوب أفريقيا ولبنان والبرازيل. كان مشروع القرار المُقترح في مجلس الأمن، يُدين بشدّة الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، والاستخدام المفرط للقوة، وطالب بوقفٍ فوري لجميع أعمال العنف ومُساءلة المسؤولين، الأمر الذي اعتبرته روسيا والصين إنحيازًا واضحًا من جانب مجلس الأمن.

إنَّ الانقسام الحاد بين الأعضاء الخمسة ذات العضويّة الدائمة في مجلس الأمن، والتي تتمتّع بحق النقض (الفيتو)، أدّى إلى تعطيل عمل هذا المجلس وعدم جدوى قراراته. فروسيا والصين من جهة بمواجهة الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا من جهة ثانية، أوصل المجلس المؤلّف من خمسة عشر عضوًا إلى طريقٍ مسدود في مسألة الأزمة السورية.

تبادلت مجموعتا الدول الاتهامات في هذا الصدد، واعتبر كل فريق أنَّ الفريق الآخر مسؤول عن تعقيد الأمور، وعن النتائج والعواقب الوخيمة التي يُمكن أن تؤدّي إليها هذه الخطوات، الأمر الذي دفعها إلى البحث عن طُرق أخرى للتصدّي للأزمة السورية خارج إطار المنظمات الدوليّة.

أقرّت الولايات المتحدة أنَّها ستلجأ إلى بدائل أُخرى، منها مجموعة “أصدقاء سوريا” في البحث عن سُبُل للضغط على النظام، بعد فشل مجلس الأمن في الاتفاق على معاقبة النظام السوري. وأعلنت واشنطن أنها ستواجه النظام بتدعيم المعارضة، وتنظيم المعونة لها والإعداد لانتقال ديموقراطي للسلطة[19].

تحرّكت جامعة الدول العربيّة بوتيرة متسارعة في ما يتعلق بالأحداث السورية، وقد أدانت النظام وعلّقت عضويته في مجلس الجامعة، وأرسلت مراقبين إلى سوريا لمراقبة خروقات وقف إطلاق النار. في مرحلة لاحقة منحت الجامعة مقعد سوريا للائتلاف السوري المعارض، إلاّ أنَّ هذه المحاولات والمبادرات بقيت حبرًا على ورق من دون إحراز أي تقدّم أو أي خطوة في مسيرة الحلّ السوري، كما اتُّهمت الجامعة بالانحياز المطلق لصالح الثورة والمعارضة وبسيطرة أطراف عربيّة فاعلة على مقرّراتها.

هـ-اتفاق تدمير السلاح الكيميائي

إنَّ الاتفاق الأميركي-الروسي بشأن الأسلحة الكيميائية قد أرجأ خطر نشوب حرب أُخرَى في الشرق الأوسط، وطرح العديد من الأسئلة حول خلفيّة هذا الاتفاق حيال ميزان القوى في المنطقة والحرب السورية، وما هي الفرص لتحقيق المزيد من التعاون والإنجازات الديبلوماسيّة؟
يُعدّ اتفاق تدمير الأسلحة الكيميائية بالنسبة إلى النظام السوري مكسبًا على المدى القصير، وخسارة إستراتيجيّة على المدى البعيد. إنَّ تخلي النظام السوري عن ترسانته الكيميائية أقل ضررًا من نتائج تعرّضه لهجوم عسكري أميركي، وبالتالي فإنَّ سوريا ستكون أضعف عسكريًّا لو أنّ الهجوم حصل. بيد أن خسارة النظام للأسلحة الكيميائية سوف تجعله أكثر ضعفًا على المدى الطويل في مجال الردع والتوازن العسكري في المنطقة، على الرغم من إدّعـاء المسـؤولـين السـوريين بـأنَّ هنـاك سـلاحًا سـرّيًا بديـلاً.

أمــا المـعــارضـة الســورية فتــجد فـي الإتفـاق الأمـيركـي-الروســي خسـارة كــبيرة لـها لأنها كــانت تأمل بضــربة عســكريّة أميركية تُغيّر ميزان القـوى على الأرض، إنما عُـلّقت هذه الضـربة وحظي النظام بفرصة مهمّة ليكون شريكًا في الاتفاق الدولي.
يبدو أن الولايات المتحدة الأميركية راضية جدًّا عن هذا الاتفاق، وحصلت على أكثر ممَّا كانت تتوقّــع، فقـد جنّبها الغوص فـي مســتنقع حـرب أخــرى في الشرق الأوسط، وفي الوقت نفسه حافظ على هيبتها ومكانتها بعد أن رمت الكرة في ملـعب الـكونغرس، وحصـلـت على التزام روسي بتفكيك جميع الأسلحة الكيميائية.

تبدو إسرائيل كالولايات المتحدة راضية عن هذا الاتفاق، إذ إنها كانت تخشى الترسانة الكيميائية التي يمتلكها النظام، وكانت تخشى أكثر من وصول هذا السلاح إلى مجموعات جهاديّة أو سلفيّة متطرّفة في المعارضة السورية في حال سقوط النظام. لذلك فإنَّ إزالة الترسانة الكيميائية إزالة تامة من الأراضي السورية يمثّل الحالة الفضلى بالنسبة إلى إسرائيل.

أدّت السياسيّة الروسية دورًا دوليًا بارزًا في المجال الديبلوماسي في ما يتعلّق بهذا الإنجاز، الذي سوف يُبنى عليه في عمليّة حلّ الأزمة السورية. فمِمّا لا شكَّ فيه أنَّ التعاون الأميركي-الروسي هو ديناميّة إيجابيّة باتجاه الحلّ ولو في مراحله الأولية، حيث يقع على عاتق الأسرة الدوليّة البناء على هذا الإتفاق الحالي في سبيل التوصّل إلى حلّ الأزمة.

و-البحث عن نقاط تعاون

إنَّ الوعي المتبادل لمستوى العلاقات الأميركية – الروسية، من ناحية تطوّر الأزمة السورية، أدى إلى إدراك كلا الطرفين أنَّ حالة “العداء المطلق” لا يُمكن ان تستمر بالوتيرة نفسها ولا تتفق مع مصالح البلدين. ولا شك في أنَّ الظروف الاقتصاديّة والماليّة، وتتابُع المشاكل الأمنيّة غير التقليديّة، أوجد حيّزًا كافيًا لتحسين العلاقات بين الجانبين من خلال نقاط التوازن في الأزمة السورية.

إنَّ الاتفاق الأميركي-الروسي الرامي إلى التخلّص من الترسانة الكيمائية للنظام السوري، يدشّن سياسة التلاقي بين الطرفين، من خلال محاولات حصر الأزمة السورية بهذا الملف، وإنَّ تدمير هذه الأسلحة يُشكّل هدفًا أساسيًا. وقد شكّل هذا الملف مخرجًا للرئيس الأميركي إثر توجيهه تهديدًا بضربة عسكريّة لسوريا، من دون أن تكون قد تهيَّأت له الظروف والتغطية الكاملة.

يضاف إلى ذلك أنَّ ظهور عدو مشترك من شأنه أن يوحّد الجهود. فإجماع الطرفين الأميركي والروسي على ضرب الجماعات السلفيّة المتطرّفة، بعد تنامي دورها بشكل بارز، تَمَثّل في عزل هذه المجموعات المتطرّفة في الشمال السوري، ليسهل تطويقها وسحقها لاحقًا، مع منع مواصلة الدعم لها. إنَّ الأولوية في محاربة الإرهاب تدخل ضمن الإستراتيجيّة الأمنيّة لكلا البلدين. والترجمة العمليّة في البحث عن نقاط التوازن في العلاقات تتمثّل بالدعوة التي وجهتها وزارة الخارجيّة الأميركية لقادة منطقة الشرق الأوسط، لإتخاذ ما يلزم لوقف تمويل عناصر تنظيمي: الدولة الإسلاميّة في العراق والشام، وجبهة النصرة، وأيضًا وقف تدفّق المقاتلين الأجانب إلى سوريا، بالإضافةً إلى اعتبار أنَّ هذه المجموعات هي فرع من تنظيم القاعدة، العدوّ المشترك للولايات المتحدة والدول المعتدلة، ويشكّل تهديدًا مباشرًا لمنطقة الشرق الأوسط الكبير.

في المقابل كانت الدبلوماسيّة الروسية تحاور الولايات المتحدة حول السلاح الكيميائي السوري لفترة طويلة، في محاولة للوصول إلى نقطة التقاء أميركية-روسية يُمكِن البناء عليها، من أجل عملية توافق كاملة حول ملفات عديدة في المنطقة، ولاسيما الملف النووّي الإيراني الذي أسّس لمرحلة جديدة من العلاقات الأميركية-الإيرانية، ظهرت نتائجه مؤخرًا.

إنَّ مؤتمر “جنيف اثنين” الذي أضحى مسألة جامعة ونقطة توازن في العلاقات، من خلال اقتناع جميع الأطراف الإقليميّة والدوليّة الفاعلة والمؤثّرة في الأزمة السورية، كان قد أقرّ بضرورة استبعاد الحسم العسكري وتبني الخيار السياسي في معالجة هذه الأزمة لأنَّ المسألة سياسيّة بامتياز، لها علاقة بِمَن يحكم سوريا، نظرًا إلى طبيعة النظام السياسي والسياسة الإقليميّة في المرحلة المقبلة وموقع سوريا في التحالفات الإقليميّة والدوليّة.

الخاتمة

العالم في مرحلة انتقال، لا حرب باردة جديدة كما كان عليه الحال قبل انهيار الإتحاد السوفياتي، ولا عودة في المقابل إلى الخنوع الروسي الذي أسس له بوريس يلتسن. فنظام القطب الواحد المهيمن يمرّ بأصعب مراحله وربما آخرها، وثمة نظام عالمي جديد يطل برأسه، من دون أن تتضح ملامحه وقواعده، أو يأخذ شكله النهائي.
إنّ الصراع الأميركي-الروسي في الأزمة السورية ينطبق عليه تسمية “الحرب الفاترة”، وقد نشر السيد نوح فيلدمان كتابًا حول هذه التسمية الجديدة، معتبرًا أنَّ نذر الصراع الدولي تتجدّد ولو بصورة مغايرة في الفترة التي نعيشها، حيث يتخذ هذا الصراع لا شكل الحرب الساخنة حرب المدفع والدبابة، ولا شكل الحرب الباردة، بل حرب المصلحة والإيديولوجية. فالصراع الدولي يتخذ شكلًا يصدق عليه الوصف التالي: حرب أسخن من الباردة، ولكنها أبرد من الساخنة بطبيعة الحال، بمعنى أنّها لن تكون حرب عقائد ولن تكون أيضًا حرب عساكر.
إنَّ الموقف الروسي من الثورات العربيّة لم يكن محطّ اهتمام شعبي واسع النطاق أو مثيرًا للجدل إلاَّ في الحالة السورية. فقد انطلقت روسيا من رؤية تُميّز بين اهتمام قيام النظام السوري بإصلاحات فعلية، وبين الحيلولة دون التدخّل الغربي في سوريا، والتي سيكون لها تداعيات كارثية ليس فقط على وحدة الكيان السوري، وإنّما على استقرار المنطقة وأمنها.
إنّ تطوّر الموقف الروسي حيال بُؤر التوتر والأزمات الدوليّة سيتفاوت من منطقة إلى أخرى وفق الظروف “والحساسيات” والمصالح، فالنزاع الأميركي-الروسي الذي تفاقم مؤخرًا يُفيد دولاً ومنظمات محسوبة على “خط التشّدّد” في المنطقة والعالم، وإنَّ فُرص الأطراف المناوئة لسياسة واشنطن في الحصول على دعم دولي وحماية دوليّة باتت أفضل من قبل.
إنَّ مقولة “عند إنقلاب الدول إحفظ رأسك” تنطبق على الشعوب كما الأفراد، خصوصًا إذا كانت الشعوب لا مصالح لها في الصراع الدائر، تمامًا كما في الأزمة السورية. فسوريا حلبة صراع للدب الروسي والنسر الأميركي، ستتضرّر منها المنطقة العربيّة بأسرها، بما في ذلك جيران سوريا في كل الاتجاهات، فالمثل الإنكليزي يقول: “عندما تتصارع الفيلة يكون العشب أكبر الضحايا”.
فهل تستيقظ شعوب المنطقة العربيّة من سُباتها العميق وتأخذ العِبر مِمَّا يجري حولها انطلاقًا من الأزمة السورية؟ أم عليها أن تدفع الثمن غاليًا من حساباتها بتدمير دولها، وتفتيت كياناتها وأنظمتها، وتشريد شعوبها وانتهاك سيادتها لتُدرك تمامًا حقيقة الأطماع الدوليّة، وأهدافها الإستراتيجيّة ومصالحها اللامحدودة؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى