بعيدا عن الرياضة

محمد عبدالوهاب:الصين لن تكون بديلا لـ امريكا قريبا!

محمد عبدالوهاب:الصين لن تكون بديلا لـ امريكا قريبا!

لا خلاف في أن الامبريالية الأمريكية قد احدثت خسائر فادحة بالأمة العربية. تجلى هذا بالدعم المطلق لإسرائيل، وفي عدوانها بحربين على العراق، ودعم الحربين المستمرتين على اليمن وليبيا، فضلا عن الاصطفاف مع الثورة المضادة،بالربيع العربى ودور واشنطن مدمر منذ انسحاب بريطانيا وفرنسا من الهيمنة المباشرة على مستعمراتهما بعد الحرب العالمية الثانية وانفرادها بزعامة العالم خاصة مع انهيار الاتحاد السوفيتي عام 1990ويتسأل بعض العرب في حالةٍ من التمني والأمل عن إمكانية استلام الصين لدفة القيادة العالمية مكان أمريكاوقبل الاجابة على هذا الامر علينا اولا طرح سؤال هام لماذا صارت أمريكا قطب العالم

أمريكا لم تظهر لقيادة العالم لصدفة عشوائية حيث نجحت فى ازاحة بريطانيا بعد الحرب العالمية الأولى كصاحبة أكبر ناتج قومي إجمالي في العالم. وهذا بالطبع نتاج للموراد الطبيعية والنفطية التي تمتلكها أمريكا ولحصولها على موارد سكانية متعلمة ومنضبطة وكدودة تمكنها من التصنيع بما يفوق ما لدى بريطانيا أو فرنسا أو ألمانيا آنذاك

 وأمريكا خرجت منتصرة بعد الحرب العالمية الثانية دون الدمار الذي ألحقته ألمانيا وروسيا وبريطانيا ببعضهم بعضا. وهكذا بدأت أمريكا السباحة فوق الماء من حيث كان منافسوها يجاهدون من أعماق الغرق للوصول لسطح الماء. الحدث الرهيب والمهم بعد تلك الحرب أن أمريكا ورثت  كليا أو جزئيا أربعة أمبراطوريات استعمارية كبرى: البريطانية والفرنسية والإسبانية واليابانية، مع ما رافق كل ذلك من قيادة لدول أوروبية وآسيوية أخرى وازنة كألمانيا وإيطاليا أو تركيا وباكستان والمكسيك وسواها. وراثة أمريكا للشبكات الامبراطورية السابقة (الوافرة بالموارد والعمالة والتصنيع والتجارة والإدارة والعسكر) امر لم يتح للصين بعد ولن يتاح لها في أي وقت قريب. أو قل إن أمريكا هي تتويج  لسيرورة التفوق الأوربي الطويلة، بحيث ورثت أمريكا فيه المشروع الاستعماري المتمدد منذ خمسة قرون. من هنا صارت العلوم الطبيعية والتقنيات المتفرعة عنها مسماه بنظريات من أبناء الغرب، وآلت لأن تُتداول عالميا بالإنجليزية. ومكاسب هذا الميراث العلمي واللغوي لن تطويه الصين في عقد من الزمان!

التحدي الأكبر لأمريكا في عنفوانها كان الاتحاد السوفيتي. ولقد تفككت هذه القوة وسلمت طائعة درة  هيلمانها، أي أوروبا الشرقية بل وأكرانيا ودول البلطيق معها، للنفوذ الغربي والأمريكي. وأهل تلك البلاد في غالبهم كارهون للحكم الروسي قديما ولا يرغبون في عودته قريبا. واكثر من ذلك أن وريثة السوفييت، أي روسيا، ابتليت لا بالليبرالية المحدثة التي خربت دولة الرفاهية في الغرب بل ومبتلاة بفساد العالم الثالث نفسه، من تحلل أبنية التعليم والصحة والبنى التحتية والخضوع للسيطرة المالية الخفية. هكذا صار الحليف المؤمل للصين، أي روسيا، يجمع بين مصائب العالم الأول وسخائم العالم الثالث! وعليه لا يعول كثيرا على تحالف روسيا مع الصين وإن احتلت روسيا مساحةً عظيمة على الخريطة وأكثرت من الطنين بأسلحة سوفيتية لم يبرهن قط على تفوقها. فإن كان انهيار أعداء أمريكا واستحواذها على تركتهم هو سر صعودها فلننتقل لتفاصيل تفوقها.

لا تصير دولة ما قطبا كوكبيا تتسيد الدولَ العظمى فضلا عن الوسطى والصغرى بخصيصة أو ثنتين أو ثلاثة

كأن تكون عظيمة الموارد الخام من الثروات الحيوانية والنباتية والمعادن، فالبرازيل وأستراليا من أكثرها في ذلك وليستا من الدول القطبية.

ولا أنْ تكون متدفقةَ الصناعاتِ، فالصين هي الأولى في هذا (متفوقة في المبيعات على الاتحاد الاوربي مجتمعاً وليست دولة قطبا.

ولا أن تكون اشد الدول ديموقراطيةً عدالة ، فالدنمارك والسويد والنرويج من أكثرها في هذا وليست دولا قطبية.

ولا أن يكون عموم شعبها مبررا في العلم والتعليم، فاليابان وألمانيا من ألمع الدول في هذا (ما يفوق المتوسط للمتعلمين في أمريكا وما هما من الدول القطبية.

ولا أن تكون الأكثر سكاناً، فالصين من الأكثر تعددا للسكان وليست من الدول القطبية.

ولا حتى أن تكون مهولة الجيش كثيرة التسليح، فروسيا عظيمة الجيش وما هي بدولة قطبية حتى أيام الجبروت السوفيتي.

لماذا تصعد الصين لتنافس على القطبية؟

الصين تصعد لأنها قادم متأخر من العالم الثالث لعالم التنمية والتحديث، إذ كان يمكن للصين أن تكون بديلا عن السوفييت لو أنها بدأت التحديث بواكير التاسع عشر، وكان يمكن أن تكون منافسا للغرب لو أن التحديث بدأ فيها في القرن الثامن عشر، لكن لم يقع للصين أي من هذين الحظين في عصور انحطاطها القريب. إذن الصين تصعد لأنها تتكشف الحداثةَ متأخرة فيصير فيها طبقة وسطى واسعة من الأطباء والتقانيين والصيارفة ما لم يكن قبل قرن من الزمان. فإذا صار لكل من هؤلاء قدرة على شراء سيارة ومنزل وتأثيثه والقيام بالأنشطة الاستهلاكية والترفيهية الحديثة، آلت كل هذه الأنشطة لأن تتضايف بصيغة ارتفاع للناتج القومي الإجمالي.

والصين تصعد نسبيَّا لأن أمريكا تتدهور بتخليها عن نموذج دولة الرفاهية واعتناقها لمشاريع الليبرالية المحدثة. نعم لقد اتخذت مسلكا عولميا أفقر قدرتها على دعم الصناعات المحلية وفرض الضرائب على الأغنياء، وتركت لتلك القوى الرأسمالية السيطرة على الإعلام الكاذب، فقام هذا الإعلام بنشر الأخلاق النسبية التي فككت التناغم الأخلاقي لمجتمع دولة الرفاهية، وخاضت في تجارة الحرب على الإرهاب لضرب المسلمين، والحرب على المخدرات لضرب السود وأهل أمريكا الوسطى والجنوبية. وفوق ذلك دخلت أمريكا في تيار الشعبوية وتسخيف صناعة القرار ما نرى من رعونة الرئيس ترمب وجهله. ومع أن أمريكا تتدهور فلا يمنع هذا من عودتها لرشدها وخروجها من غيها. وفي حال حصول هذا فهي تملك قوة صاروخية للتعافي.

الصين ستواصل الصعود بخطتيها الذكيتين صنع في الصين والحزام والطريق، ولا سيما وأن الأخيرة ستقدم متنفسا معقولاً من هيمنة البحرية الأمريكية على مسالك التجارة الصينية لأوروبا والشرق الأوسط في حال إغلاق تلك المسالك. لكن الطرفين المستلمين لهذه التجارات أي أوروبا والشرق الأوسط تحت الهيمنة الأمريكية ويمكن أن يمنعا من التعاون مع الصين حين اللزوم

وبما أن أمريكا في حالة من اعتلال دولة الرفاهية فيها فلا يعني أن الصين محصنةٌ من أمراض داخلية تخصها قد تكون أشد فتكا. بل الأخطر أن الصين تعاني من أزمة في عقدها الاجتماعي حيث لا تزال الطبقة الوسطى في حدود المئتي مليون بينما قرابة المليار هم من الطبقة العاملة الفقيرة. ولا يمكن للصين الانشغال بالهيمنة على العالم وبها ازمات كارثية الحاصل أن القطبية الأمريكية هي تتويج لخمسة قرون من الإمبريالية الأوروبية التي سيطرت على الكوكب  ، و أمريكا تتفنن بممارسة القطبية بالسيطرة على الاقتصاد العالمى والسلاح معا وأن الصعود الصيني طبيعي ويوازيه هبوطٌ أمريكي. لكن لن تحل الصين مكان أمريكا قريبا وان كان العالم يتمنى

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى